القرطبي

74

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ورأتا هيئة حسنة ، فقالتا : ما شأنكم ؟ ومن أين أقبلتم ؟ قالوا : من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا : فإن أهلها أصحاب الفواحش ، فقالوا : أبها من يضيفنا ؟ قالتا : نعم ! هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط ، فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم . ( سئ بهم ) أي ساءه مجيئهم ، يقال : ساء يسوء فهو لازم ، وساءه يسوءه فهو متعد أيضا ، وإن شئت ضممت السين ، لأن أصلها الضم ، والأصل سوئ بهم من السوء ، قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء ، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت : " سي بهم " مخففا ، ولغة شاذة بالتشديد . ( وضاق بهم ذرعا ) أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه . وقيل : ضاق وسعه وطاقته . وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه ، فإذ حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك ، وضعف ومد عنقه ، فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع . وقيل : هو من ذرعه القئ أي غلبه ، أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه ، وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم ، وما يعلم من فسق قومه . ( وقال هذا يوم عصيب ) أي شديد في الشر . وقال الشاعر : وإنك إلا ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق عصيب وقال آخر : يوم عصيب يعصب الأبطالا * عصب القوي السلم الطوالا ويقال : عصيب وعصبصب على التكثير ، أي مكروه مجتمع الشر وقد . عصب ، أي عصب بالشر عصابة ، ومنه قيل : عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة ، أي مجتمعون في أنفسهم . وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب ، وتعصبت لفلان صرت كعصبته ، ورجل معصوب ، أي مجتمع الخلق . ( قوله تعالى : ( وجاء قومه يهرعون ) في موضع الحال . " يهرعون " أي يسرعون . قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة : لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة ، يقال : أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى ، وهو مهرع ، قال مهلهل :

--> ( 1 ) في مفردات الراغب : ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة ) .